الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
22
نفحات الولاية
والضنك ؟ وهل وهبتهم إلّاالظلمة التي ليس معها نور ؟ ( أبداً ، بل أودعتهم حفراً مظلمة موحشة تفيض رعباً وخشية ) ، وهل بقي لديهم من شيء سوى الحسرة والندم : « وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ « 1 » ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ ! » . فكيف الوثوق بهذه الدنيا التي لا تضمر لمن تعلق بها سوى البؤس والشقاء والهزيمة والفشل والظلمة ، ولا تعقبه سوى الندم ؟ ! أم كيف له التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحصول على بعض حطام الدنيا وجعلها هدفاً في حياته ؟ ! ومن هنا تساءل الإمام عليه السلام مستنكراً : « أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا ! » . حقاً ، ليست هناك من عبارات أوضح وأفصح من هذه العبارات التي وردت بشأن تفاهة الدنيا والمصير والعاقبة المريرة التي تنتظر من تعلق بها وسكن إليها ، وهدف الإمام عليه السلام من هذه التأكيدات المتواصلة والعبارات المنبهة الشديدة إلى الوقوف بوجه الريح الدنيوية العاتية ، وما إنطوت عليه من نعم جمّة أفرزتها قضية الفتوحات الإسلامية والتي إستهوت قطاعات واسعة من المسلمين لتقذف بهم في أتون الرفاهية والراحة والدعة بما ينسيهم القيم والمثل والمبادىء السماوية الخالدة ، ويجعلهم يغطّون في سبات الغفلة ، علّهم يفيقون إلى أنفسهم ويعودون إلى رشدهم فيهبوا لإحياء القيم الإسلامية المغيبة ، إلى جانب محاولة الإمام عليه السلام إعادة الامّة - لا سيما أولئك الأفراد الذين تكالبوا على الدنيا وثرواتها إبان عهد عثمان - إلى المسار الإسلامي الصحيح . وما أورع هذه المواعظ والنصائح البليغة الواضحة للمتكالبين على الدنيا من أبناء عصرنا الراهن حيث يشهدون ذات الظروف ، بل أسوأ منها والتي عصفت بالمجتمع وجعلته يتعلق بالدنيا ، والحق لو لم يلتفتوا إلى هذا الأمر ويفكروا في علاج وضعهم فلا من دين ولا دنيا معقولة يمكنهم أن يظفروا بها ويحصلوا عليها . والعبارات تنسجم تماماً وما صرحت به الأحاديث النبوية الشريفة وروايات وكلمات
--> ( 1 ) « ضنك » : بمعنى « الضيق » والشدّة وهى مفردة تستعمل بصيغة المفرد دائماً .